عبد القادر الجيلاني

119

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

بروايته ، والنحو واللغة والفصاحة والبلاغة ، وزوال الفقر ووجود الغنى وذهاب البلية ومجيء العافية ، وفي الجملة انكشاف الضر ومجيء النفع فليس بزاهد حقّا لأن كل واحد من هذه الأشياء فيه لذة النفس وموافقة الهوى وراحة الطبع وحب له ، وكل ذلك من الدنيا ومما يحبب البقاء فيها ويحصل السكون والطمأنينة إليها ، فينبغي أن يجاهد في إخراج جميع ذلك عن القلب ، ويأخذ نفسه بإزالة ذلك وقلعه والرضا بالعدم والإفلاس والفقر الدائم ، فلا يبقى من ذلك مقدار مص نواة ليخلص زهده في الدنيا ، فإذا تم له ذلك زالت الغموم والأحزان من القلب والكرب عن الحشا ، وجاءت الراحات والطيب والأنس باللّه كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « الزهد في الدنيا يريح القلب والجسد » « 1 » فما دام في قلبه شيء من ذلك فالهموم والخوف والوجل قائم في القلب والخذلان لازم له ، والحجاب عن اللّه عزّ وجلّ وعن قربه متكاثف متراكم فلا ينكشف جميع ذلك إلا بزوال حب الدنيا على الكمال وقطع العلائق بأثرها ، ثم يزهد في الآخرة ، فلا يطلب الدرجات والمنازل العاليات والحور والولدان والدور والقصور والبساتين والمراكب ، والخيل والحلى والمآكل والمشارب وغير ذلك مما أعده اللّه تعالى لعباده المؤمنين ، فلا يطلب على عمله جزاء أو أجرا من اللّه عزّ وجلّ البتة لا دنيا ولا أخرى ، فحينئذ يجد اللّه عزّ وجلّ فيؤتيه حسابه تفضلا منه ورحمة ، فيقربه منه ويدنيه ويلطف به ويتعرف إليه بأنواع ألطافه وبره كما هو دأبه عزّ وجلّ مع رسله وأنبيائه وأوليائه وخواصه وأحبابه أولى العلم به عزّ وجلّ فيكون العبد كل يوم في مزيد أمره مدّة حياته . ثم ينتقل إلى دار الآخرة إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، مما تضيق عنه الأفهام وتعجز عن وصفه العبارات ، واللّه أعلم . المقالة الخامسة والخمسون في ترك الحظوظ قال رضي اللّه عنه وأرضاه : ترك الحظوظ ثلاث مرات : الأولى يكون العبد مارا في عشواه متخبطا فيه متصرفا بطبعه في جميع أحواله من غير تعبد لربه ولازم في الشرع يرده ولا جده من جدود ينتهي إليه عن حكمه ، فبينما هو على ذلك ينظر اللّه

--> ( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ( 6 / 177 ) ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ( 10 / 286 ) ، وقال : فيه أشعث بن نزار ولم أعرفه ، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم .